ابن تيميه
209
الرد على الأخنائي قاضي المالكية
الأول من جنس الصلاة على الجنازة لا من جنس الثاني ، كرغبة الخلق يوم القيامة إلى الرسول صلى اللّه عليه وسلّم أن يشفع لهم ، وكرغبة أصحابه إليه في حياته أن يدعو لهم ويستسقي لهم ، فهذا الطلب منه كان لعلوّ جاهه وعظم منزلته عند اللّه ، ولهذا يأتون يوم القيامة إلى أولي العزم فيردّهم هذا إلى هذا ، حتى يردّهم المسيح إليه . وفي حياته كانوا يطلبون منه الدعاء ويتوجّهون به إلى اللّه ، ويتوسّلون إليه بدعائه وشفاعته لجاهه عند اللّه ، ولما مات استسقوا بالعباس عمه وقال عمر : « اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسّل إليك بنبيّنا فتسقينا ، وإنا نتوسّل إليك بعمّ نبينا فاسقنا ؛ فيسقون » رواه البخاري في صحيحه « 1 » . ومعنى قوله : كنا نتوسل إليك بنبينا ؛ أي : بدعائه وشفاعته ، ولهذا توسّلوا بعد موته بدعاء العباس وشفاعته لمّا تعذّر عليهم التوسل به بعد موته ، كما كانوا يتوسّلون به في حياته ، ولم يرد عمر بقوله : « كنا نتوسّل إليك بنبينا » : أن نسألك بحرمته ، أو نقسم عليك به من غير أن يكون هو داعيا شافعا لنا ، كما يفعله بعض الناس بعد موته ، فإن هذا لم يكونوا يفعلونه في حياته ، إنما كانوا يتوسّلون بدعائه ، ولو كانوا يفعلونه في حياته لكان ذلك ممكنا بعد موته كما كان في حياته ، ولم يكونوا يحتاجون أن يتوسلوا بالعباس . وكثير من الناس يغلط في معنى قول عمر وإذا تدبّره عرف الفرق « 2 » . ولو كان التوسل به بعد موته ممكنا كالتوسل به في حياته لما عدلوا عن الرسول صلى اللّه عليه وسلّم إلى العباس . وكذلك معاوية لما استسقى توسّل بدعاء يزيد بن الأسود الجرشي « 3 » . وكذلك نقل عن الضحاك بن قيس « 4 » . فمن فهم مراد الرسول صلى اللّه عليه وسلّم بزيارة القبور وفرّق بين الشرعية والبدعية ، تبين له الحق من الباطل . ونبينا صلى اللّه عليه وسلّم أمر اللّه بالصلاة والسلام عليه ، وأمر عند سماع الأذان أن تطلب الوسيلة له ، فهذا حقّ له على الأمة ، وهو مشروع مأمور به في كل مكان ، لا يختص به في مكان عند قبره ، فلم يبق في زيارة قبره أمر يختصّ به ذلك المكان بخلاف غيره . وأيضا فنهى عن اتخاذ بيته عيدا وقال : « لا تتّخذوا قبري عيدا وصلّوا عليّ حيثما كنتم ، فإن صلاتكم تبلغني » . وكذلك السلام ، قال : « إن للّه ملائكة سيّاحين يبلغوني عن
--> ( 1 ) رقم ( 1010 ) . ( 2 ) وانظر في ذلك « التوسل » للمحدث الألباني و « التوصل إلى حقيقة التوسل » للشيخ نسيب الرفاعي - رحمه اللّه - و « التوسل حكمه وأقسامه » جمع وإعداد : أبو أنس علي بن حسين أبو لوز - نشر دار ابن خزيمة بالرياض - . ( 3 ) أخرجه ابن عساكر في « تاريخه » كما « التوسل » ص 45 . وصحّح إسناده المحدث الألباني هناك . ( 4 ) المصدر السابق .